الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 14، ألقاها
يُناقش أهمية التخلق بالمحاسن الشرعية لمعلم القرآن، مثل الزهد وطلاقة الوجه والحلم والصبر. يشدد على عدم الاكتفاء بكثرة العمل بل بحسنه وموافقته لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يذكر بعض الآداب الحميدة للمعلم وصفات المتعلم، مثل اجتناب الرياء والحسد ومراقبة الله تعالى في السر والعلانية. كما يشدد على أهمية التحلي بالورع والخشوع واستعمال الأذكار والدعوات.
ينبغي للمسلم أن يعتمد على الله تعالى في جميع شؤونه، ويسأله العزة والرفعة والمغفرة والرزق والعون على العمل الصالح. الختام بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله في كتاب التبيان في آداب حملة القرآن: فصل في أخلاق معلِّم القرآن، أي مما ينبغي للمعلِّم أن يتصف به من الأخلاق الحسنة التي تكون علامةً على عمله بذلك العلم الذي تعلمه. قال رحمه الله تعالى: وينبغي للمعلِّم أن يتخلَّق بالمحاسن التي ورد الشرع بها، لا أن يتخلَّق بأخلاقٍ مُبتدعَة أو رهبانيةٍ مُبتدعَة ما شرعها الله جل وعلا، بل بما جاء به شرع يكتفي ويقتصر. وما جاء في شرعنا فيه الغنى والكفاية لمن وفَّقه الله تبارك وتعالى لسبُل الخير. فالعبرة ليس بكثير العمل، ولكن العبرة بحسن العمل. ولا يكون العمل حسنًا إلا بأن يكون موافقًا لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في جميع نواحي الحياة الدينية التي تعلَّق بين العبد وربه، وفي غيرها مما تكون سببًا كذلك وبلاغًا لتكميل الطريق الموصِل إلى الله جل وعلا. قال: وينبغي المعلم أن يتخلَّق بالمحاسن التي ورد الشرع بها، أي الفضائل التي حثَّ عليها الشرع المطهر الكريم، فيتخلَّق بها ويتحلَّ بها. قال: والخلال الحميدة والشيَم المرضية التي أرشَد إليها من الزهادة في الدنيا والتقلُّل منها، وعدم المبالاة بها وبأهلها، والسخاء والجود ومكارم الأخلاق، وطلاقة الوجه من غير خروجٍ إلى حد الخلاعة، والحلم والصبر والتنزُّه عن دنيء الاكتساب، وملازمة الورع والخشوع والسكينة والوقار والتواضع والخضوع، واجتناب الضحك والإكثار من المزاح، والمُلازمة الوظائف الشرعية، والتنظُّف بإزالة الأوساخ والشعور التي ورد الشرع بإزالتها، كقص الشارب وتقليم الأظافر وتسريح اللحية وإزالة الروائح الكريهة والملابس المكروهة. قال: وَلْيَحذر كل الحذر من الرياء والحسد والعُجب واحتِقار غيره، وإن كان دونه. وينبغي أن يستعمل الأحاديث الواردة في التسبيح والتهليل ونحوهما من الأذكار والدعوات، وأن يراقب الله تعالى في سره وعلانيته، ويحافظ على ذلك. وأن يكون تعويله في جميع أموره على الله تعالى. هذا فصلٌ من الفصول العظيمة التي ذكرها الإمام النووي رحمه الله تعالى في هذا الكتاب الذي هو في آداب حملة القرآن، أي في آداب الطالب والمعلم، أو قل المتعلم والمعلم. وكلنا بحاجةٍ إلى مثل هذه التوجيهات وإلى هذه النصائح وإلى هذا التذكير، لعل الله تبارك وتعالى أن يوفق من يوفق للعمل بذلك. قال: والسخاء والجود ومكارم الأخلاق وطلاقة الوجه، هذه كذلك من محامد أن يكون المعلم سخياً، وأن يكون جواداً، وأن يتصف كذلك بمكارم الأخلاق من الصدق، من الشجاعة، من أن يكون وقافاً عند حدود الله جل وعلا، وفي محاسنة أضيافه، في إكرام أضيافه إلى غير ذلك. قال: وطلاقة الوجه، أي كذلك أن يكون وجهه طليقاً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق»، صدقه، من غير خروج إلى حد الخلاعة، أي أن يخرج من حد الخلق الحسن إلى حد السفه. قال: والحلم والصبر، كذلك أن يكون صبوراً بأنواع صبر الثلاثة: على أوامر الله، عن نواهي الله، على أقدار الله جل وعلا المؤلمة. قال: والتنزه عن دنيء الاكتساب، أن ينبغي للمعلم أن ينظر في كسبه، لا يكون كسباً دنيئاً، بل يكون كسباً طيباً حلالاً لا شبهة فيه. قال: وملازمة الورع والخشوع والسكينة والوقار والتواضع والخضوع، واجتناب الضحك والإكثار من المزاح. المزاح أحياناً لا بأس به، أما أن يكثر ذلك بحيث أن يخرج عن الجادة، هذا كذلك يكون مذموماً. قال: والتنظُّف بإزالة الأوساخ والشعور التي ورد الشرع بإزالتها، كقص الشارب وتقليم الأظفار وتسريح اللحية وإزالة الروائح الكريهة والملابس المكروهة. وكل هذا لما فيه من التنظيف ولما فيه من التجمل، والنبي صلى الله عليه وسلم قد حث على هذه المعاني وذكر أن من خصال الفطرة. قال: وليحذر كل الحذر من الرياء والحسد والعجب واحتقار غيره، وإن كان دونه. لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من تشبه بقوم فهو منهم». قال: وينبغي أن يستعمل الأحاديث الواردة في التسبيح والتهليل ونحوهما من الأذكار والدعوات، وأن يراقب الله تعالى في سره وعلانيته، ويحافظ على ذلك. وأن يكون تعويله في جميع أموره على الله تعالى، أي أن يعمل لله تبارك وتعالى، وأن يستعين بالله تبارك وتعالى، وأن يلتفت في طلب الثناء، طلب العزة، طلب الرفع، طلب المغفرة والرحمة، طلب الرزق، لا يلتفت إلى أحد من خلق الله جل وعلا. نسأل الله تبارك وتعالى بمنه وكرم أن يعيننا على العمل بما علمنا، إنه قريب مجيب. صلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.