الدرس في كتاب الطهارة 35، ألقاها
يشرح المقطع أحكام غسل المرأة إذا احتلمت ورأت الماء، مبيناً أن المرأة تحتلم مثل الرجل ويخرج منها المني. كما يوضح صفات مني الرجل والمرأة وفق الأحاديث النبوية.
يتناول المقطع وجوب الغسل من الاحتلام إذا خرج الماء، ويشرح الحالات الثلاث للمحتلم. كما يبين أن الشبه للولد يكون نتيجة اختلاط ماء الرجل والمرأة، ويتطرق إلى ضعف حديث عائشة في غسل النبي صلى الله عليه وسلم من أربع.
يتناول المقطع آراء أهل العلم المختلفة حول وجوب أو استحباب الغسل عند إسلام الكافر، مبيناً الأدلة من الأحاديث النبوية والشروط المرتبطة بحالة الكافر قبل إسلامه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الحافظ بن حجر رحمه الله في كتابه بلوغ المرام، في باب الغسل وحكم الجنب: عن أم سلمة رضي الله عنها أن أم سليم، وهي امرأة أبي طلحة، قالت: يا رسول الله، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: «نعم، إذا رأت الماء». متفق عليه. وحديث أم سلمة أخرجه البخاري ومسلم من طريقه، شام عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة: أن أم سليم قالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: «نعم، إذا رأت الماء». فقالت أم سلمة: يا رسول الله، أو تحتلم المرأة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «تربت يداك، فبما يشبهها ولدها». وفي رواية قالت أم سلمة: فضحت النساء. وذكر بعده حديث أنس، قال: عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «في المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل»، قال: «تغتسل». متفق عليه. زاد مسلم: قالت أم سلمة: وهل يكون هذا؟ قال: نعم، فمن أين يكون الشبه؟ حديث أنس انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري، فالبخاري لم يخرج حديث أنس. أخرجه مسلم من طريق سعيد عن قتادة عن أنس: حدثهم أن أم سليم حدثت أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، فقال عليه الصلاة والسلام: «إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل». فقالت أم سليم: استحييت من ذلك. فقالت: هل يكون هذا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم، من أين يكون الشبه؟ إن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فمن أيهما علا كان الشبه». فهذان الحديثان فيهما من الفوائد والمسائل: أن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، فكما أن الرجل يحتلم ويرى في منامه أنه يجامع امرأة، فكذلك المرأة تحتلم وترى في منامها أن أحدا يجامعها. وكذلك أيضا فيه أن المرأة يخرج منها المني كما يخرج من الرجل. ولما قالت أم سليم: فيكون هذا؟ يعني تحتلم المرأة ويخرج منها الماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم، من أين يكون الشبه؟» إذا المرأة تنزل كما ينزل الرجل. وفيه أيضا بيان صفة المني: أن مني الرجل غليظ أبيض، هذا من صفات مني الرجل، فمن صفات مني الرجل أنه غليظ ويكون أبيض. وذكر علماء أيضا أن له رائحة كرائحة الطلع، طلع النخل، وهي كرائحة العجين. وأيضا صفة ثالثة: أنه يخرج بشهوة ولذة ويعقبه فتور، يخرج بشهوة ولذة ويعقبه فتور. وهذا كما قال الإمام النووي رحمه الله هو الأصل في صفة مني الرجل إذا كان قويا. وقد يضعف الإنسان أو يمرض فيكون منيه فيه شيء من الرقة أو قد يميل إلى الاصفرار، لكن الأصل أن يكون على هذا الغلظ. وأما مني المرأة فرقيق أصفر، رقيق يعني خفيف، ويكون لونه يميل إلى الاصفرار. وكذلك أيضا يخرج من المرأة بلذة، كما يخرج من الرجل كذلك. وربما يكون أبيض كما قال النووي رحمه الله إذا كانت المرأة قوية، فقد يميل ماءها إلى البياض. وفيه كذلك أيضا وجوب الغسل من الاحتلام، إذا رأى المحتلم الماء. فأم سليم قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال: «نعم، إذا رأت الماء». فعلق النبي صلى الله عليه وسلم وجوب الغسل من الاحتلام برؤية الماء. مفهوم الحديث أنه إن لم تر الماء ولو رأت احتلاما، فليس عليها غسل. وعلى هذا قال أهل العلم: إن المحتلم له ثلاث حالات: الحالة الأولى أن يحتلم، يرى احتلاما ويرى ماء، أن يرى احتلاما في نومه ثم يصبح ويرى ماء، أو يستيقظ يرى ماء، فهذا يجب عليه الغسل باتفاق. الحالة الثانية: أنه لا يرى ماء، ويرى احتلاما، يحتلم لكن يستيقظ فلا يجد أثرا للماء، لأنه لم يخرج منه شيء، فهذا ليس عليه غسل. ونقل فيه أيضا الاتفاق، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأت الماء». مفهومه أنه إذا لم تر الماء ليس عليها غسل. الحالة الثالثة: أن يرى ماء، ولا يذكر احتلاما، يستيقظ وإذا به أثر الماء، المني في ثوبه، لكن لا يذكر أنه احتلم، فهذا يجب عليه الغسل لقول عليه الصلاة والسلام: «إنما الماء من الماء». إذن يدل هذا الحديث على أن الاحتلام من موجبات الغسل إذا خرج منه الماء. وهكذا أيضا كذلك فيه أن شبه الولد لوالدين أو أحدهما يكون من أثر ماذا؟ من أثر اختلاط المني، فإن الولد يتكون من اختلاط ماء الرجل وماء المرأة. ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ﴾، أمشاج يعني مختلط، كما قال ابن عباس وغيره: هو اختلاط ماء الرجل وماء المرأة. وبيّن نبي عليه الصلاة والسلام أنه أيهما علا، يعني إذا علا ماء المرأة ماء الرجل كان الشبه للمرأة ولأخواله، وإذا علا ماء الرجل ماء المرأة كان الشبه للأب، وجاء الولد شبيها بأعمامه. ومن أيهما علا كان الشبه. والمقصود من هذا الحديث ومن هذين الحديثين كما سمعنا: وجوب الغسل من الاحتلام، لكن هذا كما علمنا إذا كان إذا خرج منه الماء. وأما إن لم يخرج منه الماء فلا يجب عليه الغسل. قال الحافظ رحمه الله: وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن غسل الميت». رواه أبو داود، صححه ابن خزيمة. هذا الحديث أخرجه أبو داود وابن خزيمة من طريق مصعب بن شيبة عن طلق بن حبيب عن عبد الله بن الزبير عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل من أربع... الحديث. ومصعب بن شيبة ضعيف، ضعفه جمهور أهل العلم وجمهور المحدثين، وأعل الحديث به الدارقطني والإمام أحمد والذهبي والبخاري وأبو زرعة. وقال الإمام أحمد: ومن المديني لا يصح في هذا الباب شيء، يعني الغسل من غسل الميت. وأيضا ذكر أهل العلم أن من دلائل عدم صحة هذا الحديث: أنه ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت: هل على الذي يغسل الميت غسل؟ قالت: لا. قال رحمه الله: عن أبي هريرة رضي الله عنه في قصة ثمامة بن أثال عندما أسلم وأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل، رواه عبد الرزاق، وأصله متفق عليه. نعم، في قصة ثمامة بن أثال، وهو سيد أهل اليمامة، حين أسره المسلمون وأتوا به للنبي عليه الصلاة والسلام، فربطه في سارية من سواري المسجد، فأتاه النبي عليه الصلاة والسلام في اليوم الأول، فقال: «ما عندك يا ثمامة؟» فقال ثمامة: يا محمد، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن أردت من المال فسل تعطه. فتركه النبي عليه الصلاة والسلام. ثم جاء في اليوم الثاني فقال مثل ذلك، ثم جاء في اليوم الثالث فقال مثل ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أطلقوا ثمامة». فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم جاء فدخل المسجد فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. الحديث كما قال رحمه الله: أصله متفق عليه في الصحيحين، وليس فيه أمر النبي صلى الله عليه وسلم له بالاغتسال، وإنما فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أطلقوا ثمامة». أطلقوه فذهب فاغتسل من نفسه. ورواية مصنف عبد الرزاق: أنه أمره عليه الصلاة والسلام بالاغتسال، وهي صحيحة. وهنا اختلف أهل العلم في هذه المسألة، وهي هل يجب الغسل إذا أسلم الكافر؟ هل يجب عليه أن يغتسل؟ فمن أهل العلم من قال: يجب على الكافر إذا أسلم أن يغتسل. واستدلوا بهذه الرواية، رواية عبد الرزاق: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يغتسل. وكذلك أيضا بحديث قيس بن عاصم: أنه لما أراد الإسلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأمره عليه الصلاة والسلام أن يغتسل بماء وسدر. والحديث رواه الترمذي والنسائي. وقال بهذا القول: هذا القول مشهور عند الحنابلة، وهو قول في مذهب الإمام مالك. وعللوا ذلك بأن الكافر لا يسلم من الجنابة، فهم يتساهلون في أمر الاغتسال منها، فلهذا قالوا: إذا أسلم واجب عليه أن يغتسل. وذهب الحنفية والشافعية إلى أنه لا يجب الاغتسال لمن أسلم، وإنما يستحب. هنا قول ثالث: هو القول بعدم الوجوب مطلقا. بماذا استدلوا؟ استدلوا بأن هذه الأوامر أو الحديث التي فيها أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاغتسال تحمل على الاستحباب. لماذا؟ لأنه أسلم كثير في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالاغتسال. ولو كان الاغتسال واجبا لبينه عليه الصلاة والسلام، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. وكون الغسل واجبا عند أول إسلام إذن يحتاج إلى أن يبين له هذا الحكم، ومع ذلك ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. وهكذا أيضا لما بعث عليه الصلاة والسلام معاذا إلى اليمن، قال: «فليكن أول ما تدعوهم إليه أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله». الحديث. ولم يذكر الغسل، مع أن هذا من أوائل الواجبات عند الإسلام على القول بوجوبه. ولم يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم. فدلت هذه الأدلة على أن الغسل من الكفر إذا أسلم الكافر لا يجب، ولكن يستحب، إلا إذا كان قد أتى شيئا يوجب الغسل قبل الإسلام، يعني مثلا أجنب قبل أن يسلم ثم أسلم، فهنا يجب عليه؛ لأجل رفع الجنابة. وأما إن لم يأت ما يوجب الغسل قبل إسلامه فلا يجب، ولكن يستحب.