الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 74، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
بنيت القبة على قبر النبي صلى الله عليه وسلم بأمر الملك قلاوون سنة 678 هـ، ولم تكن من فعل النبي ولا الصحابة، مما يجعلها حجة سياسية لا شرعية. ترك العلماء إزالتها درءاً للمفاسد وتجنباً لفتنة عظيمة قد تثار بسببها.
ترك النبي صلى الله عليه وسلم إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم خشية ارتداد العرب الجدد، ومثله امتناع توسعة المطاف خوفاً من فتنة القباب. ويروى أن اللات كان رجلاً صالحاً يطعم الحجاج، فعكف الناس على قبره بعد موته حتى عبدوه، فصار الغلو في الصالحين سبباً للشرك.
يفسر المقطع قوله تعالى ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ مبيناً أن اللات كان رجلاً صالحاً يسقي الحجاج، فعكف الناس على قبره وعبدوه. وتثبت القصة أن عبادة الجاهلية شملت الصالحين والملائكة والجن، لا الأصنام فقط، رداً على من يزعم عدم شركه لعدم عبادة التماثيل.
يؤكد المتحدث أن عبادة غير الصنم تعد توجهاً لغير الله، لأن المعنى واحد وهو صرف العبادة لغير الخالق. ويختتم بالتأكيد على أن الله أعلم بالسرائر والمصائر.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: أخذنا في الدرس الماضي الكلام على حديث: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». عباد القبور، كما أنهم يبثون شبهة وجود القبر في المسجد، كذلك يتمسكون ويوردون شبهة أخرى، وهي وجود القبة على قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيستدلون بذلك على جواز بناء القباب على القبور. وقد أجاب الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى على هذه الشبهة، وها هنا نذكر ونقرأ كلامه؛ فإنه شافٍ كافٍ. يقول الإمام الصنعاني: «فإن قلت: هذا قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عمرت عليه قبة عظيمة أنفقت فيها الأموال». قلت: يعني الجواب: هذا جهل عظيم بحقيقة الحال، يعني حال بناء هذه القبة. فإن هذه القبة ليس بناءها منه عليه الصلاة والسلام، ولا من أصحابه، ولا من التابعين، ولا تابعي تابعيهم، ولا من علماء أمته وأئمة ملته. بل هذه القبة المعمولة على قبره صلى الله عليه وسلم من أبنية بعض ملوك مصر المتأخرين، وهو قلاوون الصالحي المعروف بالملك المنصور، في سنة ثمان وسبعين وستمائة للهجرة. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وقال في موضع آخر: «فالمسألة دولية لا دليلية». يعني أن هذا الفعل قام به بعض الملوك المتأخرين في القرن السابع، في نهاية القرن السابع من الهجرة، فلا متمسك لهؤلاء بهذا الفعل؛ لأنه ليس من فعل الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا من فعل أصحابه، ولا من فعل التابعين، بل ولا تابعي تابعيهم. ما فعله أحد من القرون الثلاثة المفضلة، ولا من بعدهم من علماء هذه الأمة وأئمة الملة، كما ذكر الصنعاني رحمه الله تعالى. فإذا قال قائل: إذن إذا أنتم تقولون إن هذا الفعل ليس من فعل الرسول وأنه غير مشروع، فلماذا لا تزيلونه إلى الآن؟ القبة موجودة، لماذا لا تزيلون هذه القبة؟ والجواب، كما أجاب كثير من أهل العلم: أن ترك هذه القبة من باب درء المفاسد؛ لأن إزالتها ينبني عليها ضرر عظيم لغربة الدين، ولجهل كثير من المسلمين. فلو جاء ملك الآن وهد هذه القبة، لربما ثارت دول، ليس أفرادًا، لربما ثارت دول، وصارت مفاسد، ويعتبرون هذه القبة من التراث أو من الحق أو نحو ذلك. وهذا له نظير في السنة: فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ترك إعادة الكعبة على قواعد إبراهيم، لماذا؟ خشية المفسدة، وأن العرب ترتد عن دينها؛ لأنهم حديث عهد بالكفر. فلذلك ترك النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر. وهذا كذلك يحمل على هذا الأمر، وهو من باب درء المفاسد. بل حتى يعني أخبرنا أن المملكة عزمت على هدم القباب الصغيرة التي بنتها تركيا في الحرم المكي. تعرفون لما تطوفون في جهة، مثل القباب، بنايات في جهة من الجهات، قباب هكذا قديمة، هذا بنتها تركيا، يعني الدولة العثمانية، في زمن الدولة العثمانية، في الأزمان المتأخرة. فلما أرادت المملكة أن توسع من صحن المطاف، قامت هذه الدولة، قالت: لا، هذا مما نحن فعلناه، لا تفعل ذلك، ستصير فتنة. فمن أجل ذلك تركت هذه الجهة، ولم توسع إلى الآن التي فيها هذه القباب الصغيرة. لمن ذهب هناك، تركت إلى اليوم خشية هذا الضرر وهذه المفسدة. فمثل هذه الأمور في الحقيقة إنما هي أمور دولية لا دليلية، فلا يستدل بها على الدين، ولا يستدل بها على مشروعية هذا الفعل. ثم ذكر أثرًا في هذا الباب، قال: «ولابن جرير بسنده عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مجاهد بن جبر، قال: أفرأيتم اللات والعزى؟ قال: كان يلد لهم السويق، فمات، فعكفوا على قبره». وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: «كان يلد السويق للحجاج». وهذا الأثر لم يعزه المؤلف إلا لابن جرير، وهو كذلك في صحيح البخاري. في البخاري هذا كذلك الأثر، لكن بلفظ: «كان اللات رجلًا يلد سويق الحجاج». هذا هو الأثر، أورده البخاري بهذا اللفظ. وقال العلماء: هذا على قراءة تشديد التاء، يعني «أفرأيتم اللات» اسم فاعل، أي الذي يلد السويق. وهو رجل صالح كان يعني يطعم الحجاج، فيصنع لهم هذا السويق. والسويق قالوا: عبارة عن الشعير، الشعير يطحن ثم يخلط مع التمر أو السمن ويؤكل. فقيل: إنه ما من أحد يأكل منه إلا وسمن. ذكروا هذا. فلما مات هذا الرجل الصالح، ومن صلاحه إطعام الحجاج والتقرب إلى الله بهذه العبادة، عكفوا على قبره. والشاهد منه: أن نتيجة غلوهم في اللات صار إلهًا يعبد. يعني رجل صالح عنده هذه العبادة، عظموه وغلوه، فآل بهم هذا الغلو إلى عبادته. ولذلك قال الله عز وجل في الآية: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾. ومعنى ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾، كما قال الشيخ ابن عثيمين: ما نسبة هذه الأصنام للآيات الكثيرة التي رآها ليلة المعراج؟ فيعدونه من الأصنام، مثل العزى التي كانت تعبد عند أهل الجاهلية، فكذلك اللات كان يعبد في زمن الجاهلية. ثم قال ابن عثيمين: السويق شعير يحمص، ومعنى يحمص: يعني يوضع على النار، ثم يطحن بعد وضعه على النار، وهو حب فيطحن، ثم يخلط بتمر، ويقدمونه للحجاج. فهذا هو السويق. وهذا الأثر فيه: أن أهل الجاهلية منهم من كان أهل عبادة، مع ما كان عليه من بعض بقايا يعني التوراة وشريعة عيسى عليه السلام. فمنهم من كان يعمر المسجد، ومنهم من كان يسقي الحجاج، ومنهم من كان كذلك يطعم الزوار. هذا كلها أعمال صالحة: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى آخر الآية. وفي هذا الأثر أيضًا رد على عباد القبور الذين يحصرون عبادة غير الله، أو يحصرون الشرك في الأصنام فقط. فعلى هذه القراءة، فإن اللات قبر لرجل صالح، مثل ما هم اليوم يتقربون إلى هذه القبور، ويدعونها من دون الله. فهؤلاء غلوا في هذا الرجل الصالح، حتى أدى بهم هذا الغلو إلى عبادة اللات. فإيش الفرق بين فعل أهل الجاهلية مع اللات، وبين فعل أهل زماننا مع العدروس، أو المحضار، أو كذلك البدوي، أو غيرها من هذه القبور التي تزار وتعبد من دون الله سبحانه وتعالى؟ فكانت عبادة أهل الجاهلية متنوعة، ليس كلهم يعني يعبدون الأصنام. نعم، منهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يعبد الصالحين، كهذا الأثر. فإن اللات كان رجلًا صالحًا، كان يلد السويق للحجاج، فلما مات عكفوا على قبره. ومنهم من كان يعبد الملائكة، ومنهم من كان يعبد الجن، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾، والإعاذة والاستعاذة من العبادة. فكان أحدهم إذا جاء واديًا قال: أعوذ بعظيم هذا الوادي، أي من الجن. فإذا كانت عبادة أهل الجاهلية متنوعة، ليس بصواب أن تحصر عبادة أهل الجاهلية في عبادة الأصنام فقط. لا، بل كذلك منهم من يعبد الصالحين، ومنهم من يعبد الملائكة كما في القرآن، ومنهم من يعبد الجن، ومنهم من يعبد الأصنام. فكانت عندهم عبادات متنوعة. وهذا فيه رد على هؤلاء الذين يحصرون الشرك في عبادة الأصنام. فإذا قرأت عليهم بعض الآيات التي تحذر من الشرك، قالوا: هذا في من يعبد الصنم، أما نحن فما نعبد الصنم. قل لهم: وكذلك من يعبد غير الصنم، إذ المعنى واحد، وهو التوجه إلى غير الله سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر.