الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 96، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح موضع باب التطير في كتاب التوحيد مبيناً أنه من السحر وأن المتطير يقطع توكله على الله. ويعرّف التطير لغةً بالتشاؤم بالطير، وشرعاً بالتشاؤم بمرئي أو مسموع أو معلوم من زمان أو مكان.
يفصل أنواع التشاؤم إلى المرئي والمسموع والمعلوم، ويوضح الفرق بين التطير والتشاؤم. يبين أن التطير محرم ومن الشرك الأصغر لاتخاذ سبب لم يجعله الله سبباً، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾.
يفسر «طائرهم عند الله» بأن المصائب مقدرة من الله لا بسبب الأنبياء، و«طائركم معكم» بأن سببها معاصي العباد. يجمع بينهما بأن الأول ينسب المصيبة لقدر الله والثاني يبين سببها من جهة العبد.
يوضح أن التطير من أعمال الكفار المعاندين للرسل، بينما المؤمنون لا يتطيرون لقوة إيمانهم وتعلقهم بالله. يؤكد الشاهد من الآيتين هذا الفرق مع وعد بذكر أحاديث لاحقة في الباب.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فقد وقفنا في كتاب التوحيد عند باب ما جاء في التطير. انتهينا من باب ما جاء في النشرة، وبمناسبة ذكر باب التطير في كتاب التوحيد وبعد كتاب السحر وكذلك بعد كتاب النشرة؛ لأن التطير أولاً من السحر، كما مر معنا في الحديث: «إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت»، والجبت هو السحر، كما مر معنا في كتاب ما جاء في بعض طرق السحر. ومناسبة أيضاً ذكر كتاب التطير في كتاب التوحيد؛ لأن المتطير قطع توكله على الله، وتعلق بهذا السبب الذي لم يجعله الله سبحانه وتعالى سبباً، فاعتمد على غير الله. إذن ورد هذا الباب في كتاب التوحيد لهذين الأمرين: الأمر الأول: لأنه تعلق بأمر لا حقيقة له، وهو من السحر، فالتطير وهم وتخيل، وأما التوحيد فهو عبادة واستعانة. الأمر الثاني: لأن التطير فيه أن المتطير قطع توكله على الله واعتمد على غير الله، وهذا لا شك أنه ينافي التوحيد. وما معنى التطير؟ ولماذا عبروا بهذا اللفظ؟ التطير: نسبة إلى الطير. فكانت العرب في الجاهلية إذا أراد أحدهم سفراً أو تجارة أو زواجاً أو غير ذلك، أتى بطير فزجره، زجر هذا الطير وهيجه للطيران. فإن طار جهة يمينه مضى في أمره من سفر أو بيع أو تجارة أو أي شيء من أموره، وإن طار هذا الطير جهة الشمال امتنع هذا الزاجر عن المضي في حاجته. فجعل الطير سبباً لإقدامه أو إحجامه. فهذا هو التطير في اللغة. والتطير في اللغة هو أخص من التطير في الشرع. فالتطير في الشرع هو: التشاؤم بمرئي أو مسموع أو معلوم من زمان أو مكان. هذا هو تعريف التطير شرعاً. فالمراد بالتطير هنا التشاؤم: أن يتشاؤم الإنسان من شيء مرئي أو مسموع أو معلوم، سواء كان من زمان أو مكان أو أعيان. فقوله: «بمرئي» مثل: من رأى طيراً كطير البومة، هذا طير معروف، فربما من رأى هذا الطير تشاؤم منه، وجعل هذا الطائر سبباً في نزول المصائب عليه، فتشاؤم من هذا الطير. أو مثلاً أصبح في الصباح يريد أن يسافر، فرأى أعمى أو أعرج أو أبرص، فتشاؤم وقال: «بدأنا هذا اليوم بهذه المناظر السيئة، هذا يوم نحس»، فيمتنع عن قضاء حاجته من سفر أو تجارة أو نحو ذلك. هذا أيضاً من التشاؤم. فإذا التشاؤم أعم من التطير. التطير خاص بالتطير بالطير، يعني التشاؤم بالطير، هذا شيء خاص. وأما التشاؤم فقد يكون بطير أو بإنسان أو بحيوان أو إلى غير ذلك. وهذا من نوادر ما يأتي عليه المعنى اللغوي؛ الأصل في المعنى اللغوي أن يكون أعم من المعنى الشرعي، أن يكون أعم من المعنى الشرعي. لكن في هذا الموطن جاء المعنى اللغوي أخص من المعنى الشرعي، فالمعنى الشرعي أعم، فيشمل الطير وغيره. وقوله: «أو بمسموع»: المسموع مثل أن يتشاؤم بصوت طير، يسمع صوت طير الألبومة فيقول: «شر هذا اليوم»، يتشاؤم من صوتها، أو من صوت إنسان، أو من كلمات معينة، كأن يسمع مثلاً: «يا خسران»، يسمع إنسان يقول: «يا خسران» يعني من الخسارة، أو يسمع إنساناً مثلاً يقول: «يا مصيبتاه»، يقول: «هذا اليوم شكل مصائب»، فيمتنع عن سفر أو عن زواج أو عن تجارة أو نحو ذلك. فهذا أيضاً من التشاؤم بالمسموع. أما التشاؤم بالمعلوم من زمان أو مكان، فالمراد به الأيام أو الشهور أو السنوات أو بعض الأماكن. كما جاء، فسيأتي معنا أن العرب كانت تتشاؤم من شهر صفر، كذلك من شهر شوال، فلا يتزوجون فيهما. وهكذا بعض الناس مثلاً يتشاؤم من يوم الأربعاء من كل أسبوع، هذا قد يقع، أو آخر يوم من صفر يسمون «آخر ربوع». فهذا عادة موجودة إلى الآن في بعض بلاد المسلمين، ومنها بلادنا هذه. في آخر يعني أسبوع من شهر صفر يخرج الناس من تحت السقوف، لا يجلس أحد في المساء أو العصر، لا يجلس أحد تحت السقوف. هذه كانت عادة منتشرة، والحمد لله بفضل الله عز وجل ثم بدعاة التوحيد والسنة من أهل السنة تقلصت هذه العادة، ولا يعملها الآن إلا القليل من الناس، ولله الحمد. فيخرجون من تحت السقف في آخر أربعاء من شهر صفر، ويتشاؤمون من الجلوس في البيوت. فهذا أيضاً من التشاؤم بالشيء المعلوم. فهذا هو نبذة مختصرة عن معنى التطير ومعنى التشاؤم والفرق بينهما. فيمكن أن نقول: أن كل تطير تشاؤم، وليس كل تشاؤم تطيراً؛ لأن التطير خاص بالطير، والتشاؤم أعم فيشمل التشاؤم بالطير وبغيره. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أدلة على تحريم التطير، وأنه من صفات أهل الكفر وليس من صفات أهل الإيمان. التطير لا يجوز، محرم، والغالب أن التشاؤم أو التطير من الشرك الأصغر، من الشرك الأصغر. هذا هو حكمه. لماذا؟ لأن هذا المتطير اتخذ سبباً لم يجعله الله عز وجل سبباً لا شرعاً ولا قدراً. وهذه قلنا قاعدة في اتخاذ الأسباب: كان هذا السبب لم يدل عليه الشرع، ولم كذلك يجعله الله من القدر الذي له تأثير، له تأثير بإذن الله عز وجل، فهذا يعد من الشرك الأصغر، كما مر معنا في الحروز والتمائم وكذلك الأدوية ونحو ذلك. فهذا هو حكمه في الشرع. فذكر آيتين من القرآن الكريم: الآية الأولى: في قول الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. هذا رد على قوم فرعون، لما جاءهم موسى تطيروا به، قالوا: «إنا تطيرنا بك وبمن معك». فرد الله عز وجل عليهم بقوله: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾. ومعنى «طائرهم عند الله»: أي ما يصيبهم من الجدب ومن القحط؛ لأنهم تطيروا بموسى ومن معه، بقولهم: إنه ما أصابنا هذا القحط وما أصابنا هذا الجدب وهذه الشدة إلا بعد ما جئتم أنتم. الآن بعض الناس يقولون: هذا المطاوع، أنتم بعد ما جئتم قلت الأمطار، كان في زمن الأجداد ما يمر شهر، شهران إلا والمطر ما شاء الله مدرار، المطر تتتابع، والآن ربما تمر السنة والسنتان ولا تنزل الأمطار. إذن أنتم بعد ما جئتم أمطوا. هذا هو نفس المقولة التي قالها فرعون لموسى ومن آمن معه. نعم، قالوا: «إنا تطيرنا بك وبمن معك» بسبب أنكم جئتم وظهرتم، صرنا إلى ما صرنا إليه من هذه الشدة وهذا القحط وهذا الجدب. فالله عز وجل رد عليهم بقوله: ﴿إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾، أي ما يصيبهم من هذه المصائب من قحط أو جدب أو شدائد ومصائب ومحن إنما هي من الله، فهو الذي قدرها، ليس بسبب موسى ولا بسبب المؤمنين، وإنما هي أمر قدره الله سبحانه وتعالى عليكم. وأما إن أردتم سبب هذا القحط فهو من عند أنفسكم بسبب معاصيكم، كما جاء في الآية الأخرى فيمن ذكره الله عز وجل في مؤمن آل ياسين. في الآية الأخرى التي ذكرها المؤلف: ﴿قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ﴾. الذين جاءوا إلى هذه القرية من الرسل وذكروهم بالله، قالوا: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قالوا: ﴿طَائِرُكُم مَّعَكُمْ﴾. رد عليهم هؤلاء الرسل بقولهم: ﴿طَائِرُكُم مَّعَكُمْ﴾. إيش معنى «طائركم معكم»؟ أي: مصاحب لكم فيما يحصل لكم، فإنه منكم ومن أعمالكم، فأنتم السبب في ذلك. هذه الشدائد التي مرت بكم إنما هي بسببكم أنتم، ليس بسببنا نحن، أي بسبب معاصيكم وبسبب إعراضكم وبسبب معاندتكم لرسل ربكم. ولا منافاة بين الآيتين. الآية الأولى يقول الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾. عرفنا ما معنى «إنما طائرهم عند الله»: أي بقدر الله، أي بقدر الله. وأما الآية الأخرى: ﴿فَإِنَّمَا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ﴾، أي: سبب ما وقع بكم هو أنه منكم، أي بسبب أعمالكم، بسبب أعمالكم. فالأول نسبت هذه الشدائد والمحن إلى قدر الله، إلى قدر الله، فهو مقدرها سبحانه وتعالى. نعم. وأما الآية الأخرى فإنما ذكر سبب هذه الشدائد وهذه المحن وهو معاصي العباد، معاصي العباد. وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، وقوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾. كيف الجمع بين هذا؟ الجمع مثل ما جمعنا بين هاتين الآيتين: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ أي بتقدير الله سبحانه وتعالى، ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي بسبب نفسك، بسبب معاصيك، بسبب معاصيك. هكذا يكون الجمع بين الآيتين في هذا الموضع. وكما تقدم، وجه الشاهد من إراد هاتين الآيتين في باب التطير: هو أن التطير من أعمال ومن خصائص الكفار المعاندين للرسل، أما المؤمنون فلا يتطيرون لقوة إيمانهم وتعلقهم بربهم سبحانه وتعالى. هذا هو وجه الشاهد من هاتين الآيتين. ثم ذكر في هذا الباب عدة أحاديث نأخذها إن شاء الله تعالى في دروس قادمة. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. شكراً.