الدرس في كتاب الطهارة 1، ألقاها
يبدأ الكتاب بالبسملة والحمد لله والثناء عليه، ويشرح معاني هذه المقدمة وأهمية الكتاب في جمع أحاديث الأحكام. يوضح المؤلف الغرض من الكتاب وأهميته لطلاب العلم.
يشرح معنى الصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، حيث تعني الصلاة الدعاء والثناء، والسلام يعني السلامة من الشرور. يبين أن آل النبي هم أتباعه على دينه، والصحابة هم من لقي النبي مؤمنا به ومات على ذلك.
يشير إلى أهمية الإخلاص في طلب العلم والعمل بما يتعلم. ينتهي بدعاء الله جل وعلا بالتوفيق في طلب العلم وجعل ما تعلموه حجة لهم.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنبدأ إن شاء الله القراءة في كتاب بلوغ المرام من أدلة الأحكام للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني رحمه الله. وهذا الكتاب من الكتب النافعة التي جعل الله جل وعلا لها قبولا عند أهل العلم، فاهتم بها الطلاب، طلاب العلم، حفظا ودراسة وتعلما وتفقها، واهتم به العلماء شرحا وتحقيقا. وهذا يدل على مدى مكانة هذا الكتاب عند أهل العلم، فإن المؤلف إذا كثر شراحه وكثر دراسه يدل على أن له قيمة عظيمة عند أهل العلم. وهكذا هذا الكتاب الذي بين أيدينا، فهو من كتب الفقه التي اعتنت بذكر أحاديث الأحكام. إن أهل العلم يعتنون بالتأليف بذكر أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، إما على جهة العموم في سائر أبواب الفقه وأبواب العلم، كالصحيحين والسنن والمجامع وغيرها، وإما كذلك بالتأليف بما يختص بالفقه وذكر مسائله وأبوابه، أو كذلك بذكر أحاديث في باب معين، كذكر أحاديث الأحكام، الأحاديث التي يستفاد منها أحكاما شرعية، كما في كتاب المنتقى للمجد ابن تيمية رحمه الله، وهكذا أيضا كتاب المحرر لابن عبد الهادي، وهكذا أيضا كتاب الحافظ ابن غني المقدسي "عمدة الأحكام". وهكذا أيضا هذا الكتاب الذي بين أيدينا، وهو بلوغ المرام، فقد جمع فيه المؤلف رحمه الله كثيرا من أحاديث الأحكام، أحاديث الأحكام التي يستفاد منها أحكاما شرعية في سائر أبواب الفقه، في الطهارة والصلاة والزكاة وغيرها. واعتنى الحافظ ابن حجر رحمه الله في هذا الكتاب بذكر الحديث، واقتصر على ذكر الصحابي وذكر من أخرجه من أهل المصنفات، كالأمهات الست وغيرها. وأيضا من ممتاز به أنه يحكم على الأحاديث في الغالب، ويبين صحتها وضعفها. وكذلك أيضا أنه ربما يذكر لفظ الحديث، ثم يذكر رواية من روايات هذا الحديث، تبين شيئا مما يتعلق بالحديث، كتقييد لمطلق أو بيان لمجمل أو نحو ذلك مما يحتاج له طالب العلم. ومؤلف هذا الكتاب هو الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني رحمه الله، إمام من أئمة أهل الحديث، من أئمة الشافعية. وهو رحمه الله قد ذاع صيته واشتهر منزلته في العلم، حتى لقب بالحافظ، بل صار لهم الحافظ إذا أطلق، على من عليه، إذا قيل قال الحافظ، فهو ابن حجر. فهو ابن حجر رحمه الله، فلجلالة منزلته في العلم، كان هذا الكتاب وهذا المؤلف له منزلة عظيمة وقيمة عالية عند أهل العلم. قال رحمه الله: "بسم الله الرحمن الرحيم". ابتدأ رحمه الله كتابه بذكر البسملة، اقتداء بكتاب الله جل وعلا، فهو مبدوء بالبسملة، واقتداء بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا كتب كتابا أو رسالة ابتدأ بذكر "بسم الله الرحمن الرحيم". و"بسم الله" الجار المجرور هنا متعلقان بمحذوف خبر أو فعل متأخر، على حسب نية المؤلف والكاتب. فإن كان تأليفا، "بسم الله أؤلف" أو "بسم الله أكتب"، وإن كان قراءة، "فبسم الله أقرأ"، ونحو ذلك. وجعل مؤخرا تبركا بذكر اسم الله، تبركا بذكر اسم الله. قال: "الحمد لله على نعمه الظاهرة والباطنة قديما وحديثا، والصلاة والسلام على نبيه ورسوله محمد، وآله وصحبه الذين ساروا في نصرة دينه سيرا حثيثا، وعلى أتباعهم الذين ورثوا العلم، والعلماء ورثة الأنبياء، أكرم بهم وارثا وموروثا". فابتدأ رحمه الله بعد ذكر البسملة بالحمد والثناء على الله جل وعلا، فقال: "الحمد لله". والحمد هو الثناء على الله جل وعلا مع المحبة والتعظيم، الثناء على الله جل وعلا مع المحبة والتعظيم. فإن خل هذا الثناء من المحبة والتعظيم، فهو المدح. فالإنسان قد يمدح غيره وهو لا يحبه، إنما لأجل مصلحة، كما كان يفعل كثير من الشعراء عندما يأتون إلى بعض الملوك والأمراء فيمدحونهم، وربما لا يحبونهم، لكن من أجل أن ينالوا شيئا، أن ينالوا شيئا من متاع الدنيا. فالحمد يكون مع المحبة والتعظيم، والحمد يكون باللسان، ويكون بسبب نعمة، أو كذلك عند المصيبة. فأنت تحمد الله جل وعلا عند النعم، وتحمده كذلك عند المصائب. إذا أصابتك نعمة، قلت: "الحمد لله". وإذا أصابتك مصيبة، قلت: "الحمد لله". فتحمد الله جل وعلا عند النعم وعند النقم، بخلاف الشكر، فإن الشكر يكون عند النعم. إذا أنعم الله سبحانه وتعالى عليك بنعمة، قلت: "الحمد لله". إذا أنعم الله عز وجل عليك بنعمة، شكرت الله على نعمته. لكن إذا أصبت بمصيبة، فإنك تحمد الله، فإنك تحمد الله. والشكر يكون باللسان والقلب والجوارح، يكون بالقلب واللسان والجوارح. كما يقول أهل العلم: "أعم سببا أو أعم آلة وأخص سببا". الشكر أعم آلة وأخص سببا، والحمد أعم سببا وأخص آلة. فآلة الحمد اللسان، لكن سببه عام عند النعم والمصائب. وأما الشكر، فإنه أعم آلة، فيكون باللسان والقلب والجوارح، وأخص سببا، لأنه يكون عند النعم. قال: "الحمد لله". واللام في "لله" للاستحقاق والاختصاص، أي الحمد مختصا بالله، أو المستحق له هو الله. ولفظ الجلالة "الله" مشتق من الألوهية، من "آلهة يأله إلاهة" إذا عبد. فالله هو المألوه المعبود، وهذا معروف في لغة العرب. وهذا يقول القائل منهم: "لله در الغانيات المدة، سبحنا واسترجعنا من تأله"، أي من تعبد. قال: "على نعمه الظاهرة والباطنة". فالله عز وجل يحمد سبحانه وتعالى لكماله جل وعلا، لكماله جل وعلا في ذاته وصفاته وفعاله. ويحمد جل وعلا لعظيم فضله وإنعامه، لعظيم فضله وإنعامه. ومما يحمد الله عز وجل به ما أنعم به سبحانه وتعالى على عباده من النعم العظيمة الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى، كما قال جل وعلا: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾. والنعم جمع نعمة، والنعمة ما يفرح به الإنسان ويسر. قال: "الظاهرة والباطنة". النعم الظاهرة كالصحة والعافية والأهل والولد والمال والعلم. والباطنة أي الخفية التي لا يطلع عليها الناس، نعمة الإيمان والطاعات القلبية وغيرها. قال: "قديما وحديثا"، يعني النعم التي قد مضت في الزمن الماضي، والحديثة التي تتجدد، التي تتجدد، لحصل للإنسان فيما يستقبل من أيام ومن زمان. فنعم الله جل وعلا لا تنتهي على الإنسان، لا تنتهي على الإنسان. فلا يزال المسلم يتقلب في نعم الله سبحانه وتعالى ليل نهار. قال: "والصلاة والسلام على نبيه ورسوله محمد، وآله وصحبه". الصلاة في اللغة الدعاء. قال الله جل وعلا: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِ، وَيُصَلِّيَ عَلَيْهِمْ﴾، أي يدعو لهم. وفي حديث أبي هريرة في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا دعي أحدكم إلى طعام، فإن كان مفطرا فليطعم، وإن كان صائما فليصل»، أي يدعو لصاحب الطعام. والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام هو ثناء الله عز وجل عليه في الملأ الأعلى، ثناء الله جل وعلا عليه في الملأ الأعلى، كما ذكر ذلك البخاري رحمه الله في صحيحه، معلقا عن أبي العالية رحمه الله. والإمام ابن القيم رحمه الله اختار معنى أعم من ذلك، وهو معنى الحنو والعطف، بجميع معانيه. فصلاة الله على عبده هو محبته له، وثناءه عليه، وتأييده ونصره. فهو معنى أعم من معنى مجرد الثناء، كما ذكر ذلك رحمه الله في كتابه "البدائع". قال: "والصلاة والسلام على نبيه ورسوله". الصلاة والسلام، أي دعا له بالسلام من الشرور والآفات. وقد قرن الله عز وجل بينهما في كتابه، بقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. وكذا أيضا في السنة، في الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، علمنا عليه الصلاة والسلام أن نصلي ونسلم عليه: "اللهم صل وسلم على نبينا محمد". فتدعو له بالصلاة والتسليم. فالصلاة فيه، وكذلك دعا له بحصول الخير، والسلام دعا برفع الشر. قال: "على نبيه ورسوله محمد". فالنبي صلى الله عليه وسلم نبي ورسول، نبي ورسول. والنبوة قيل: ما أخذ من النبأ، وهو الإخبار، لكونه يخبر عن الله سبحانه وتعالى. وقيل: ما أخذ من معنى النبوة، النبوة، يعني الارتفاع والعلو. والنبي قيل: هو من أوحي إليه بشرع، ولم يؤمر بتبليغه. والرسول: من أوحي إليه بشرع، وأمر بتبليغه. وهذا التعريف منتقد، وذلك أن الله عز وجل أخبر أن النبي والرسول كلاهما مأمور بالتبليغ، في قوله جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾. فدل هذا على أن النبي والرسول كلاهما مرسل، وكلاهما مأمور بالتبليغ. فلهذا كان الصواب أن الرسول: من أوحي إليه بشرع، وأمر بتبليغه. والنبي: من أمر بتبليغ رسالة من كان قبله. قال: "على نبيه ورسوله محمد". ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام هو محمد بن عبد الله، بن عبد المطلب، بن هاشم، وهاشم من قريش، وقريش من العرب، من ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام. فهو عليه الصلاة والسلام من خير الناس نسبا وشرفا ومنزلة. وخاتم الأنبياء والرسل، ختم الله عز وجل به الرسالة والنبوة، فلا نبي ولا رسول بعده عليه الصلاة والسلام. قال جل وعلا: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِينَ﴾. وقال عليه الصلاة والسلام: «أنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي»، كما في الصحيحين، وفي سنن الترمذي وغيرها. ومن ادعى النبوة أو الرسالة بعده، فهو كافر، لأنه مكذب للقرآن والسنة، وإجماع أهل العلم على أنه لا نبي ولا رسول بعده عليه الصلاة والسلام. قوله: "وآله وصحبه". الآل يطلق ويراد به أهل الإنسان وقرابته، "آل فلان"، يعني أهله وقرابته. ويطلق ويراد بهم الأتباع، كما في قول الله جل وعلا: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، يعني أتباعه. وإذا أطلق الآل فيراد بهم الأتباع. وإذا قرن الآل مع الأتباع، "وآله مثلا وأتباعه"، فيراد بالآل هم المؤمنون من أهل بيت النبي عليه الصلاة والسلام، المؤمنون من آل بيت النبي عليه الصلاة والسلام. فيحمل هنا لفظ الآل على الأتباع، فيشمل ذلك أتباع النبي عليه الصلاة والسلام على دينه، من أهل بيته ومن غيرهم، من أهل بيته ومن غيرهم. وهذا هو الصحيح. وفي هذا يقول القائل: «آل النبي هم أتباع ملته، من كان منهم من عرب ومن عجم، لو لم يكن آله إلا قرابته، صل المصلي على الطاغ أبي لهب». يعني إذا لم يكن الآل إلا هم قرابة النبي صلى الله عليه وسلم، فكان المصلي على النبي صلى الله عليه وسلم لما يقول: "اللهم صل على نبينا محمد على آله"، كان مصليا على أبي لهب، لأنهم من آل النبي صلى الله عليه وسلم. لكن المراد بالآل هم أتباع النبي صلى الله عليه وسلم على دينه، من أهل الإسلام والإيمان. و"صحبه"، والصحب جمع صاحب، والمراد بهم من صحب النبي صلى الله عليه وسلم، أي من كان صحابيا. والصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به، ومات على ذلك. وعطف "الصحب" هنا على "الآل" من عطف الخاص على العام، لأنهم يدخلون في الآل دخولا أوليا، لكن عطف بذكرهم لبيان فضلهم ومنزلتهم. قال: "وآله وصحبه الذين ساروا في نصرة دينه سيرا حثيثا"، أي سيرا قويا، وكذلك سيرا ظاهرا وكثيرا. "وعلى أتباعهم الذين ورثوا العلم"، يعني ما سار عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم من التابعين، وأتباع التابعين، ومن بعدهم، الذين ورثوا العلم، أي علم الشريعة، علم الكتاب والسنة. فالعلماء هم ورثة الأنبياء. قال: "والعلماء ورثة الأنبياء"، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في حديث أبي الدرداء، عند أبي داود وغيره، قال عليه الصلاة والسلام: «والعلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر». فالعلم هو ورث الأنبياء، تحصيل العلم والعمل به، والدعوة إليه وتعليمه، هذا هو إرث الأنبياء، ومكانة الأنبياء عليه الصلاة والسلام. قال: "أكرم بهم وارثا وموروثا". أكرم بهم وارثا، يعني علماء، وموروثا، أي الأنبياء. فنعمة وشرف ومنزلة عظيمة أن يكون المرء وارثا للأنبياء، أن يكون المرء وارثا للأنبياء، وذلك بإرث العلم وتحصيل العلم. قال: "أما بعد". وهذه اللغة هي انتقال من الخطبة إلى ذكر الموضوع، وهي اسم شرط بمعنى "مهما يكون من شيء بعد". ويؤتى بها بعد الحمد والثناء، بعد الحمد والثناء، فيقال: "أما بعد". فتدخل في ذكر الموضوع الذي تريد أن تطرقه وأن تتكلم فيه. ولهذا ينبه على أن طالب العلم والداعي والخطيب إذا ذكر خطبة أو في بداية خطبته الحمد والثناء على الله جل وعلا، فإذا انتهى من ذلك، قال: "أما بعد". فدخل في الموضوع. قال: "فهذا مختصر يجتمل على أصول الأدلة الحديثية للأحكام الشرعية". فقوله: "هذا" اسم إشارة، إما أن يكون إلى شيء محسوس، إذا كان ذلك بعد التأليف، بعد التأليف، الكتاب وكتابته، فيكون قوله: "هذا" إشارة إلى ما كتبه وألفه وسطره. وإما أن يكون إلى شيء في الذهن، إذا كان ذلك قبل التأليف، إذا كانت المقدمة قبل التأليف، فقوله: "هذا" إشارة إلى ما في ذهنه مما أراد أن يكتبه وأن يسطره. قال: "مختصر يجتمل على أصول الأدلة الحديثية للأحكام الشرعية". مختصر، يعني أن هذا المؤلف ليس بمؤلف مطول، فاختصر فيه المؤلف رحمه الله ما يختص بأحاديث الأحكام، وذكر منها رحمه الله جملة كثيرة. وإن كان هناك أيضا أحاديث أخرى لم يذكرها، لكن اختصر على ذكر الأهم، وترك ما لا يحتاج إلى ذكره، أو خشية أن يطول الكتاب فيثقل على طالب العلم حفظه والإلمام به. قال: "على أصول الأدلة الحديثية". يعني جعل ما ذكر في هذا الكتاب من الأحاديث أصولا يرجع إليها، ويبنى عليها غيرها من الأحاديث والأحكام. قال: "للأحكام الشرعية". والأحكام جمع الحكم، والحكم في اللغة القضاء. وفي الاصطلاح: خطاب الله إلى المكلفين، من طلب أو تخيير أو وضع. والأحكام الشرعية إما أحكام تكليفية، وإما أحكام وضعية. والأحكام التكليفية خمسة، وهي: الواجب والمندوب والمحرم والمكروه والمباح. والأحكام الوضعية لها أقسام عديدة، تدرس وتعرف في بابها في أصول الفقه. قال: "حررته تحريرا بالغا". يعني عنى المؤلف رحمه الله في تحرير هذه الأحاديث وانتقائها، وبيان حكمها وصحتها أو ضعفها في الغالب، ليصير من يحفظه من بين أقرانه نابغا، يعني إذا حفظ طالب العلم هذا الكتاب، صار من بين أقرانه نابغا، يعني خرج عن من هو مثله، فارتفع عليه وزاد عليه في الاجتهاد، وكذلك في طلب العلم تحصيله. قال: "هو يستعين به الطالب المبتدي، ولا يستغني عنه الراغب المنتهي". أي يستعين به طالب العلم المبتدي في الطلب بهذا الكتاب، لأنه جمع فيه أدلة الأحكام، وسهل له جمعها، فيسهل عليه حفظها ومعرفتها والاطلاع عليها. "ولا يستغني عنه الراغب المنتهي"، يعني من له باع في العلم، فإنه لا يستغني عن معرفة هذه الأحكام وهذه الأحاديث، لأنه لا بد له من معرفة أحاديث الأحكام والاطلاع عليها والإلمام بها. قالوا: "قد بينت عقب كل حديث من من أخرجه من الأئمة، ليرغب نصح الأمة". فالمراد بالسبعة هنا سيذكر الاصطلاح الذي جرى عليه المؤلف رحمه الله في هذا الكتاب. قال: "فالمراد بالسبعة"، يعني إذا قال: "أخرجه السبعة". من هؤلاء السبعة؟ قال: "أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه". إذا قال: "أخرجه السبعة"، فالمراد بهم أصحاب الكتب الستة، البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، ومعهم الإمام أحمد رحمه الله. قال: "أحمد"، أحمد بن محمد، أحمد بن محمد الشيباني رحمه الله، إمام أهل السنة، صاحب المسند. "والبخاري"، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم المغيرة الجعفي، صاحب الصحيح. "ومسلم"، الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله، صاحب كذلك الصحيح. "وأبو داود"، سليمان بن الأشعث السجستاني، صاحب السنن. "والنسائي"، أحمد بن شعيب، صاحب السنن. "والترمذي"، محمد بن عيسى بن سورة. "وابن ماجه"، محمد بن يزيد القزويني رحمه الله، صاحب السنن. قال: "وبالستة من عدا أحمد"، يعني إذا قال: "أخرجه الستة"، فالمراد بهم أصحاب الكتب الستة، أصحاب الأمهات الست، البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. قال: "وبالخمسة إذا قال: أخرجه الخمسة". قال: "من عدا البخاري ومسلما"، يعني أصحاب السنن الأربع، وأحمد. قال: "وقد أقول الأربعة وأحمد"، يعني أصحاب السنن الأربعة، ومعهم الإمام أحمد رحمهم الله. قال: "وبالأربعة من عدا الثلاثة الأول". إذا قال: "أخرجه الأربعة"، فمن عدا الثلاثة، يعني أصحاب السنن الأربعة، ما عدا أحمد والبخاري ومسلم. إذا قال: "أخرجه الأربعة"، يعني أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. قال: "وبالثلاثة من عداهم والأخير". يعني من عدا أحمد والبخاري ومسلم وابن ماجه، يعني أبو داود والترمذي والنسائي. إذا قال: "أخرجه الثلاثة"، فأبو داود والترمذي والنسائي. قال: "وبالمتفق عليه البخاري ومسلم". إذا قال: "متفق عليه"، يعني البخاري ومسلم. قال: "وقد لا أذكرهما معهما غيرهما". قد لا أذكرهما معهما غيرهما، يعني قد يكون أخرجه غير البخاري ومسلم، لكن يكتفي بذكر البخاري ومسلم فقط. ومع ذلك فهو مبين، يعني قد وضحه إذا أخرجه غير أصحاب الكتب الستة، وغير الإمام أحمد، كالإمام مالك مثلا، أو البيهقي أو الحاكم أو الطبراني، فيذكر ذلك ويبينه. قال: "وسميته بلوغ المرام من أدلة الأحكام". المرام من أدلة الأحكام، بلوغ، يعني ليل المرام، أي ما يقصده ويطلبه من أدلة الأحكام. فبلوغ ما يطلبه الطالب من الإلمام والوقوف ومعرفة أدلة الأحكام. قال: "والله أسأل". والله لفظ الجلالة هنا مفعول به مقدم، والعامل هنا "أسأل". وقدم لأجل إفادة الحصر والاختصاص، أي لا أسأل إلا الله، لا أسأل إلا الله، ولا أسأل غيره. قال: "أن لا يجعل ما علمناه علينا وبالا، وأن يرزقنا العمل بما يرضاه سبحانه وتعالى". وهذا في إشارة إلى ذكر ما ينبغي أن يكون عليه طالب العلم، الإخلاص في طلبه للعلم، وأن يكون ما تعلمه ويتعلمه ماذا حجة له، ومما ينتفع به، مما ينتفع به، ليكون وبالا عليه. والوبال هو الشدة، الشدة، وكذلك المؤاخذة. فإذا عمل طالب العلم بالعلم الذي يتعلمه، وأخلص فيه نيته، فإنه يوفق للخير، وينتفع بهذا العلم، ويكون مما يقربه إلى الله سبحانه وتعالى، ويرفع الله عز وجل به درجته ومنزلته في الدنيا والآخرة. نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم للإخلاص في طلب العلم، وأن يجعل جل وعلا ما تعلمناه حجة لنا لا حجة علينا. إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.