كتاب الطهارة 32

الدرس في كتاب الطهارة 32، ألقاها

آداب قضاء الحاجة ونواهيه

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة، كما نهى عن الاستنجاء باليمين أو بأقل من ثلاثة أحجار، أو بالرجيع والعظم. واختلف العلماء في حكم هذه النواهي بين التحريم والكراهة والنسخ.

أحكام الذكر بعد قضاء الحاجة

كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول 'غفرانك' بعد الخروج من الخلاء، وهذا الذكر له حكم وأهمية في الإسلام. يشرح المقطع بعض الحكم وراء هذا الذكر والدعاء بعد قضاء الحاجة.

الصلاة على النبي وآله وصحبه

الدعاء بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه من الأفعال المحمودة في الإسلام، ويعتبر من أبرز مظاهر التقدير والاحترام للنبي محمد. يحث الدين الإسلامي على هذا الفعل.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الحافظ بن حجر رحمه الله في كتابه «بلوغ المرام»، في كتاب الطهارة، في باب آداب قضاء الحاجة: وعن سلمان رضي الله عنه قال: «لقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو نستنجي باليمين، أو نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو نستنجي برجيع أو عظم» رواه مسلم. هذا الحديث جاء في صحيح مسلم: أن يهوديا قال لسلمان رضي الله عنه: «لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة»، قال: «أجل، لقد نهانا...» وذكر الحديث. ففي هذا الحديث آداب من آداب قضاء الحاجة، منها: النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول. إذا أراد الإنسان أن يقضي حاجته، فلا يستقبل القبلة، لا يجعل جلوسه في قضاء الحاجة جهة القبلة، ولا يستدبرها، يعني: يجعل القبلة جهة ظهره. قال: «نهانا رسول الله أن نستقبل القبلة بغائط أو بول»، سواء كان لأجل الغائط أو لأجل البول. واختلف أهل العلم في هذا النهي: هل هو للتحريم أو للكراهة؟ وهل هو محكم أو منسوخ؟ على أقوال عديدة من أهل العلم. ذهب إلى أن هذا النهي للتحريم، وسواء كان ذلك في الفضاء أو كان في البنيان، فإنه يحرم على المسلم أن يستقبل القبلة بغائط أو بول، وهذا قول أبي حنيفة، وهو رواية عن الإمام أحمد، ورجحها جماعة من أهل العلم. وقال بهذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقال به أيضا من المعاصرين الإمام الشوكاني، وأيضا اختاره الإمام ابن القيم، وهكذا أيضا الشيخ العلامة ابن باز رحمه الله. فذهبوا إلى التحريم في قضاء الحاجة، سواء كان في الفضاء أو في البنيان، لحديث سلمان، وحديث أبي أيوب الذي سيأتي. وذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا الحكم منسوخ، إلى أن هذا الحكم -النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول- منسوخ، واستدلوا بحديث جابر في السنن: أنه قال: «نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن نستقبل القبلة بفروجنا»، ثم رأيته قبل أن يموت بعام يستقبلها، وكذلك حديث ابن عمر في الصحيحين: «رقيت يوما على بيت حفصة، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستقبل الشام، مستدبر القبلة». والقول بالنسخ لا شك أنه لا يصار إليه إلا عند عدم إمكان الجمع، لا يصار إلى النسخ إلا عند عدم إمكان الجمع، وإذا أمكن الجمع من الأدلة فإنه لا يصار إلى النسخ. والقول الثالث هو التفريق بين البنيان والفضاء، فإذا كان في الفضاء فإنه يحرم استقبال القبلة واستدبارها، وإذا كان في البنيان فإنه يكره، يجوز مع الكراهة. وهذا قول الإمام مالك والشافعي، وهو أيضا رواية عن الإمام أحمد. ولعل هذا القول هو أظهر هذه الأقوال؛ لأن به تجتمع الأدلة. فيدل على ذلك التفريق بين البنيان والفضاء حديث ابن عمر المذكور سابقا، قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر القبلة»، وهو الذي نهى عليه الصلاة والسلام عن ذلك، وهو في البنيان يقضي حاجته وهو مستدبر القبلة. فإن قيل: إن هذا خاص، أو من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام. فيقال: الأصل أن أفعال النبي عليه الصلاة والسلام للتشريع والتأسي، إلا ما ورد الدليل على الخصوصية، ولا دليل هنا على أن هذا من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام. فكيف نحمل هذا الفعل منه عليه الصلاة والسلام مع نهيه؟ فنقول: يحمل النهي على الفضاء، وأما إذا كان في البنيان فإنه يكون النهي فيه للكراهة وليس للتحريم. وأما الاستدبار، فحديث ابن عمر في سنن أبي داود: أنه أناخ راحلته، ثم جعل يبول، فقيل له: «إنك تبول مستقبل القبلة؟»، فقال: «لو كنت بينك وبين القبلة شيء فلا بأس، إنما نهى عن هذا في الفضاء». فلعل هذا القول هو أظهر الأقوال. ومع ذلك، فإذا أمكن الإنسان أن يتجنب ذلك فهو الأفضل والأكمل، يعني: أنه لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، سواء كان في الفضاء أو كان في البنيان. حتى لو كان في البنيان، فيجتنب ذلك. فلا شك أن هذا هو الأكمل والأفضل. والحكمة من ذلك -كما قال أهل العلم- هو تعظيم القبلة؛ كون القبلة هي جهة استقبال المصلي في صلاته، فمن باب التعظيم لها أنه لا يستقبلها في قضاء حاجته عند البول والغائط. قال: «أو نستنجي باليمين». ومر معنا الكلام على حكم الاستنجاء باليمين في حديث جابر. قال: «أو نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار». نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يستنجي المسلم بأقل من ثلاثة أحجار. فإذا أراد أن يستعمل الحجر في الاستنجاء فإنه لا يقتصر على أقل من ثلاثة أحجار. فأقل ما يستعمل ثلاثة أحجار، فإذا لم يحصل الإنقاء بها زاد رابعة. طيب، حصل الإنقاء بالرابعة، يزيد خامسة، حتى يكون انتهاؤه على وتر؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «ومن استجمر فليوتر». لكن لا يقتصر على أقل من ثلاثة أحجار، يكون الاستنجاء بالحجر ثلاثة فما زاد إن احتاج إلى الزيادة. أما أن يكون أقل من ذلك فلا؛ لأنه لا يحصل الإنقاء بأقل من ثلاثة أحجار. قال: «أو نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار». طيب، إذا كان معه حجر له ثلاثة أوجه -بعض الأحجار تأتي كبيرة ويكون لها عدة أوجه- هل يكتفى بذلك عن ثلاثة أحجار؟ جمهور أهل العلم على أنه يكتفى بذلك؛ إذا كان عندك حجر كبير له ثلاثة أوجه، فكل وجه يقوم مقام حجر، فيحصل به المقصود، خلافا للظاهرية. وكذلك أيضا: هل يتعين استعمال الحجر؟ هل يتعين استعمال الحجر أو يجزئ أن يقوم مقامه ما يحصل به الإنقاء، كالمناديل ونحوها؟ قال الظاهرية: لا بد من الحجر؛ لأن الحديث ورد بذكر الأحجار. وقال جمهور أهل العلم: يجزئ غير الأحجار، ولا يتعين الحجر. فكل ما يحصل به الإنقاء فإنه يقوم مقام الحجر، كالمناديل والأخشاب أو نحوها. وهذا هو الصحيح. وإنما ذكر الحجر؛ لأن الحجر هو الغالب الذي يتيسر للإنسان في الخلاء، ما هو الغالب الذي يتيسر هو الحجر. فهذا نص عليه، لكن ليس المقصود أنه لا يجزئ غيره، بل المقصود هو حصول الإنقاء. فكل ما ينقي مما يكون جامدا ويحصل به الإنقاء فإنه يجزئ. وأما إذا كان لا ينقي وإن كان جامدا، كالزجاج مثلا، الزجاج ما يجزئ؛ لماذا؟ لأنه لا يحصل به الإنقاء؛ لأنه أملس لا يزيل النجاسة، لا يزيل النجاسة، فلا يجزئ في الاستنجاء به. قال: «أو نستنجي برجيع أو عظم». أيضا في هذا الحديث: النهي عن الاستنجاء بالرجيع والعظم. الرجيع: روث الدواب. نهى نبي عليه الصلاة والسلام عن الاستنجاء بروث الدواب. إن كانت هذه الدابة مما لا يؤكل لحمها، كالحمير والبغال ونحوهما، فيكون ذلك لأجل نجاستها. وإن كان مما يؤكل لحمه، كالإبل والغنم والخيول وغيرها، فإنه لا يجزئ الاستنجاء بها؛ ليس لكونها نجسة، بل هي طاهرة، ولكن لكونها علف لدواب الجن، علف لدواب الجن. وكذلك أيضا العظام، إذا كان مما يؤكل لحمه، فإنه لا يجوز الاستنجاء به؛ لأنه طعام الجن، لأنه طعام الجن. ويدل لهذا ما رواه مسعود رضي الله عنه في مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: «لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه أن تجدوه أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة علف لدوابكم، فلا تستنجوا بهما». قال عليه الصلاة والسلام: «فلا تستنجوا بهما؛ فإنها طعام إخوانكم». فبين النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث علة أنه نهى عن الاستنجاء بالرجيع والعظام: أن العظام زاد الجن وطعام الجن، وأن الرجيع علف لدوابهم. وعلى هذا أيضا قاس أهل العلم كل ما كان محترما فإنه لا يجوز الاستنجاء به، كتب العلم التي فيها ذكر الله، أو أسماء الله، أو رسوله عليه الصلاة والسلام، أو فيها أيضا مسائل علمية، فلا يجوز الاستنجاء بها؛ لأنها محترمة. أما كتب المبتدعة إذا كانت خالية عن ذكر الله، لا بأس، ليست لها حرمة إذا كانت خالية من ذكر الله وأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: وللسبعة عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه: «لا تستقبل القبلة ولا تستدبرها ببول أو غائط، ولكن شرقوا أو غربوا». هذا الحديث كما قال رحمه الله: «وللسبعة»، يعني: أخرجه أصحاب الكتب الستة والإمام أحمد، وكلهم أخرجوه من طريق الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي أيوب. وفيه: نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة. ومر الكلام على هذه المسألة. وقوله عليه الصلاة والسلام: «ولكن شرقوا أو غربوا»، هذا الخطاب كان لأهل المدينة؛ كان لأهل المدينة، وذلك أن قبلتهم إلى الجنوب. فكل من كان حاله كحال أهل المدينة، فإنه عند قضاء الحاجة يشرق أو يغرب. والمقصود هو عدم استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة. واستدل به أهل العلم أيضا على جواز استقبال القمرين -الشمس والقمر- عند قضاء الحاجة؛ لأن بعض الفقهاء قالوا: يكره استقبال القمر أو الشمس عند قضاء الحاجة؛ لماذا قالوا؟ لأنها من نور الله، فلا تستقبل ولا تستدبر. وهذا لا دليل عليه، بل هذا الحديث يدل على جواز ذلك؛ لأنه إذا شرق أو غرب، لا شك أنه سيستقبل الشمس أو يستدبر الشمس، أو كذلك القمر. ثم كونها من نور الله، هل معنى هذا أنها من صفة الله عز وجل، صفة النور التي هي من صفات الله؟ لا، هي من نور الله، من خلق الله. الشمس والقمر مخلوقتان من مخلوقات الله سبحانه وتعالى. ولا دليل على كراهة استقبالهما أو استدبارهما عند قضاء الحاجة. وإلا سيقال: وكذلك الكواكب فيها نور، إذا لا تستقبل الكواكب عند قضاء الحاجة. قال: وحسنه الله عن عائشة رضي الله عنها قالت: «إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أتى الغائط فليستتر» رواه أبو داود. رواه أبو داود من طريق الحسين الحبراني، عن أبي سعيد الخير، عن أبي هريرة به. والحديث من حديث أبي هريرة، وليس من حديث عائشة كما ذكر الحافظ رحمه الله. فهذا وهم منه. فأبو داود أخرجه من حديث أبي هريرة، والحديث ضعيف لا يصح؛ فحسين الحبراني هذا مجهول. قال الحافظ: مجهول. وقال الذهبي: لا يعرف. وضعف الحديث العلامة الألباني رحمه الله في «الضعيفة». ولكن معنى الحديث صحيح. «من أتى الغائط فليستتر»، يعني: إذا أراد أن يقضي حاجته فيبتعد عن أعين الناس ويستتر عنهم. ويدل عليه الأحاديث التي مضت، حديث المغيرة: «فتوارى عني». نعم، وعموم الأدلة، كحديث معاوية بن حيدة الذي رواه أبو داود وغيره: أنه قال: «يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟»، قال: «احفظ عورتك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك». الحديث. فكل هذه الأدلة تدل على وجوب الاستتار: أن الإنسان إذا أراد أن يقضي حاجته فإنه يبتعد عن أعين الناس. قال: وعنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان إذا خرج من الغائط قال: غفرانك». أخرجه الخمسة، وصححه أبو حاتم والحاكم. هذا الحديث حديث عائشة رضي الله عنها. أخرجه الخمسة من طريق إسرائيل، عن يونس، عن يوسف بن أبي بردة، عن أبيه، عن عائشة. ويوسف بن أبي بردة: قال فيه الحافظ في «التقريب»: مقبول. قال فيه: مقبول. لكن الإمام الذهبي رحمه الله قال في «الكاشف»: ثقة. قال فيه: ثقة. والإمام الحاكم رحمه الله يقول: «يوسف بن أبي بردة هو من ثقات آل أبي موسى، ولم نجد أحدا طعن فيه». وصحح الحديث جمع من الأئمة، كالإمام ابن حبان، والنووي، والذهبي، ومنهم ابن خزيمة، وأيضا العلامة الألباني رحمه الله. وهذا الحديث هو أصح ما ورد في الباب فيما يقال بعد الخروج من الخلاء، كما قال أبو حاتم رحمه الله. فقد ورد بعض الأحاديث، كحديث: «الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني»، أنه يقال بعد الخروج من الخلاء، وهو حديث أنس، رواه ابن ماجة، وهو حديث ضعيف لا يصح. وحديث عائشة: أنه إذا خرج من الخلاء يقول: «غفرانك». وإذا كان في الحمام، إذا خرج من الحمام قال: «غفرانك». وإذا كان في الخلاء، إذا رفع وأعاد ثيابه قال: «غفرانك». وذكر أهل العلم بعض الحكم في الإتيان بهذا الذكر عند الفراغ من قضاء الحاجة. ما المناسبة أن يقول: «غفرانك»؟ فقال بعضهم -الإمام ابن القيم رحمه الله-: المناسبة في ذلك أنه حال قضاء حاجته انقطع عن ذكر الله عز وجل، انقطع عن ذكر الله جل وعلا، فجعل ذلك بمنزلة التقصير الذي يحتاج إلى استغفار. فإذا خرج من قضاء حاجته قال: «غفرانك». وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: المناسبة في ذلك هو أن الوجود الغائص في الإنسان واحتياجه إلى إخراجه، لا شك أنه إذا وجد واحتاج أن يخرجه أثقله، أثقل بدنه. فإذا خرج وسهل الله عز وجل خروجه، شعر بالخفة. وكذلك أيضا بإزالة هذا الثقل. قال: فيتذكر ثقل الذهوب فالذنوب ثقيل على القلب، ثقيل على القلب، وتحتاج إلى استغفار، تحتاج إلى استغفار، ورجوع إلى الله سبحانه وتعالى. ولعل هذا هو أظهر. أما كون الإنسان يقطع عن ذكر الله عند قضاء الحاجة، فهذا -بأمر من الشرع- الشرع أن يذكر الله في مثل تلك الحال. فلعل هذا هو المناسب: أنه لما ثقله عليه وجود ما أراد أن يخرجه من بطنه، فثقل عليه البدن، فكذلك الذنوب تثقل على قلب الإنسان، ويحتاج إلى استغفار لله سبحانه وتعالى. وعلى كل، فإذا خرج الإنسان من قضاء حاجته، يستحب له أن يقول: «غفرانك». طيب، نكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على